الرئيسيةNon classéمنحة السفر عبر البطاقة الدولية.. قرار أزعج الجزائريين لكنه مكسب اقتصادي غير...

منحة السفر عبر البطاقة الدولية.. قرار أزعج الجزائريين لكنه مكسب اقتصادي غير متوقع

أثارت تعليمة بنك الجزائر بشأن حق الصرف من أجل السفر إلى الخارج موجة واسعة من الاستياء بين الجزائريين، بعد الانتقال من تسليم منحة السفر نقدًا إلى إعطائها حصريًا عبر بطاقة دفع دولية.

وتأتي هذه الخطوة بعد رفع قيمة حق الصرف في 2025 إلى 750 يورو للبالغين و300 يورو للقصر، قبل أن تحدد التعليمة الجديدة رقم 07-2026 المؤرخة في 13 يوليو 2026 آلية الاستفادة منه عبر البطاقات.

من الطبيعي أن ينظر المواطن إلى القرار من زاوية عملية بحتة: هل الحصول على البطاقة سهل؟ هل البنوك مستعدة؟ هل الإجراءات سريعة؟ وهل ستعمل البطاقة فعلًا في الخارج دون مشاكل؟ ولماذا سأضطر أصلا لدفع مبلغ من المال للحصول على بطاقة؟

لكن هناك زاوية أخرى تستحق النقاش، وربما تكون أهم على المدى الطويل، وقد تكون بالفعل “ضربة معلم” تنفذها الدولة بعد طول انتظار.

أنا هنا لا أحاول مدح سياسات الدولة، ولا أقول إنني أعرف لماذا اتُخذ هذا القرار، أو من أين جاءت الفكرة، ولا حتى إن الهدف منه كان تحقيق النتيجة الإيجابية التي سأذكرها، فالقرار اتُخذ على الأرجح لأسباب مختلفة تمامًا، لكن هنالك شيئا سيحدث لا محالة، وهذه المرة قد يكون مفيدًا للاقتصاد الجزائري: تعزيز الشمول المالي.

اقرأ أيضا: أفضل البطاقات البنكية الدولية في الجزائر 2026.. مقارنة بين جميع بطاقات Visa وMastercard

ويقصد بالشمول المالي أن يكون الأفراد قادرين على الوصول إلى الخدمات المالية الرسمية واستخدامها، مثل الحسابات البنكية، وسائل الدفع الإلكتروني، البطاقات، الادخار والتحويلات، بطريقة سهلة وآمنة وبتكلفة معقولة.

وهذا الأمر ليس تفصيلًا تقنيًا صغيرًا، فكلما تعامل المواطن مع البنك من أجل الحصول على بطاقة أو تحويل الأموال أو الدفع خارج البلاد، أصبح جزء أكبر من نشاطه المالي داخل النظام الرسمي، بدل أن يبقى قائمًا على النقد والمعاملات غير الموثقة.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية القرار الجديد، فالمواطن الذي كان يريد الاستفادة من منحة السفر أصبح مطالبًا بالتعامل مع بنك وسيط، وفتح حساب للحصول على بطاقة دفع دولية، وهي بطاقة يجب أن تكون شخصية ومخصصة لحاملها، وفقًا للتعليمة الجديدة.

أي أن شخصًا لم يكن لديه سبب كافٍ لفتح علاقة مصرفية، أصبح لديه الآن سبب مباشر للقيام بذلك.

وقد وجه بنك الجزائر في وقت لاحق، جميع البنوك إلى تسهيل إصدار هذه البطاقات للمواطنين الراغبين في الاستفادة من حق الصرف، ومن ثم تسهيل ولوج المواطنين لكافة المنتجات البنكية.

وهنا تبدأ القصة الحقيقية، فالجزائريون ليسوا خارج النظام المالي.. لكن جزءًا كبيرًا منهم ليس داخل النظام البنكي، فالمفارقة أن الجزائر تمتلك قاعدة ضخمة من الحسابات المالية، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن المواطنين جميعًا مندمجون فعليًا في النظام البنكي.

فحسب إحصائيات بريد الجزائر، بلغ عدد الحسابات البريدية 30 مليونا عبر الوطن، بينما لم يتجاوز عدد الحسابات البنكية 13 مليونا بنهاية 2024، يبقى الكثير منها غير نشط، وفقا لبيانات لبنك الجزائر، مما يعكس الوزن الكبير الذي تتمتع به الحسابات البريدية في الحياة المالية اليومية للجزائريين.

ووفقا لبيانات Global Findex 2025  للبنك الدولي، المبنية على مسح أُجري في الجزائر سنة 2024، فإن نحو 20.72  مليون شخص بالغ ما يزالون دون حساب مالي، من أصل نحو 32.02 مليون شخص في سن 15 عامًا فأكثر، أي أن حوالي ثلثي البالغين لا يملكون حسابًا لدى بنك أو مؤسسة مالية مماثلة أو خدمة مالية مماثلة وفق تعريف المؤشر.

وهنا تظهر المفارقة بوضوح: لدينا ملايين الحسابات البريدية، لكن مستوى الاندماج الفعلي في الخدمات المالية الحديثة لا يزال محدودًا، وهذا بالضبط ما يجعل قضية منحة السفر من الأهمية بمكان.

منحة السفر قد تفعل ما فشلت فيه حملات كثيرة: دفع المواطن نحو البنك.

خلال السنوات الماضية، تحدثت البنوك والسلطات المالية وخبراء الاقتصاد باستمرار عن ضرورة تعزيز الشمول المالي، وتشجيع المواطنين على استخدام الحسابات البنكية ووسائل الدفع الإلكتروني بدل الاعتماد المفرط على النقد. لكن المشكلة كانت دائمًا واحدة: لماذا سيذهب المواطن إلى البنك إذا لم يكن بحاجة إليه؟

إذا كان راتبه يدخل إلى حساب بريدي، وفواتيره تُدفع نقدًا أو عبر البطاقة الذهبية، ومدخراته يحتفظ بها في المنزل، ولا يحتاج إلى بطاقة دولية، فقد لا يرى سببًا قويًا لتغيير عاداته، أما الآن، فهناك منفعة مباشرة، فحق الصرف يمكن أن يتحول، ولو بشكل غير مباشر، إلى بوابة لدخول مزيد من الجزائريين إلى الخدمات البنكية.

هؤلاء الجزائريون الذي يدخلون البنك اليوم للحصول على بطاقة من أجل السفر، قد يستخدمونها غدًا للدفع عبر الإنترنت، أو لشراء خدمة رقمية، أو لإدارة أموالهم، أو لاستخدام خدمات مالية أخرى.

وهذه الخطوة تنسجم مع توجه أوسع نحو تحديث النظام المالي الجزائري؛ فقد منح قانون النقد والمصرف صلاحيات ومسؤوليات أكبر لبنك الجزائر في مجال الشمول المالي وتطوير التمويل الرقمي، كما أُدخلت مؤخرا قواعد جديدة لتنظيم مزودي خدمات الدفع وحماية زبائن المؤسسات المالية.

لكن الشمول المالي لا يتحقق بقرار واحد، إذ لا يجب ألا نبالغ في التفاؤل، فإصدار ملايين البطاقات لن يحل لوحده مشكلة الشمول المالي، فإذا كانت إجراءات فتح الحساب معقدة، أو إصدار البطاقة يستغرق وقتًا طويلًا، أو كانت الرسوم مرتفعة، فإن الأثر سيكون محدودًا.

كما أن الفرق بين امتلاك حساب وبين استخدام الخدمات المالية بانتظام فرق جوهري، فالهدف الحقيقي ليس أن يصبح لكل جزائري رقم حساب وبطاقة في جيبه، وإنما أن تصبح الخدمات المالية الرسمية جزءًا طبيعيًا من حياته اليومية.

وهنا تقع المسؤولية على البنوك أيضًا، فإذا دخل المواطن إلى البنك من أجل منحة السفر، فيجب أن يجد تجربة مصرفية جيدة وسريعة، ومنتجات مفهومة، وخدمات رقمية تعمل كما ينبغي، ورسومًا معقولة.

بهاء الدين آيت صديق

مقالات ذات صلة
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات